عبد الحي العكري الدمشقي ( ابن العماد الحنبلي )
185
شذرات الذهب في أخبار من ذهب
إحدى الثمانية فدرس بها مدة طويلة ثم توجه بنية الحج إلى مصر فأقام بمصر سنة ثم حج وعاد إلى الروم وكان توفي المولى أفضل الدين المفتي فولاه السلطان أبو يزيد منصب الفتوى وعين له مائة درهم ثم لما بنى مدرسته بالقسطنطينية ضمها له إلى الفتوى وعين له خمسين درهما زائدة على المائة وكان يصرف جميع أوقاته في التلاوة والعبادة والتدريس والفتوى ويصلي الخمس في الجماعة وكان كريم الأخلاق لا يذكر أحدا بسوء وكان يغلق باب داره ويقعد في غرفة له فتلقى إليه رقاع الفتاوي فيكتب عليها ثم يدليها يفعل ذلك لئلا يرى الناس فيميز بينهم في الفتوى وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويصدع بالحق ويواجه بذلك السلطان فمن دونه حتى أن السلطان سليم أمر بقتل مائة وخمسين رجلا من حفاظ الخزينة فذهب صاحب الترجمة إلى الديوان ولم يكن من عادتهم أن يذهب المفتي إلى الديوان إلا لأمر عظيم فلما دخل تحيروا وقالوا أي شيء دعا المولى إلى المجيء فقال أريد ألاقي السلطان فلي معه كلام فعرضوا أمره على السلطان فأمر بدخوله وحده فدخل وسلم وجلس وقال وظيفة أرباب الفتوى أن يحافظوا على آخرة السلطان وقد سمعت بأنك أمرت بقتل مائة وخمسين رجلا من أرباب الديوان لا يجوز قتلهم شرعا فغضب السلطان سليم وكان صاحب حدة وقال له لا تتعرض لأمر السلطنة وليس ذلك من وظيفتك فقال بل أتعرض لأمر آخرتك وهو من وظيفتي فإن عفوت فلك النجاة وإلا فعليك عقاب عظيم فانكسرت سورة غضبه وعفا عن الكل ثم تحدث معه ساعة ثم سأله في إعادة مناصبهم فأعادها لهم وحكى أن السلطان سليم أرسل إليه مرة أمرا بأن يكون قاضي العسكر وقال له جمعت لك بين الطرفين لأني تحققت أنك تتكلم بالحق فكتب إليه وصل إلى كتابك سلمك الله تعالى وأبقاك وأمرتني بالقضاء وأني أمتثل أمرك إلا أن لي مع الله تعالى عهدا أن لا تصدر عني لفظة حكمت فأحبه السلطان محبة